Uncategorizedفنون ومنوعات

صراع الإرادات في مجلس الأمن

عامر يوسف العالم يكتب ✍️

الفيتو الدولي يكبح الهيمنة الغربية ويجدد معادلة السيادة السودانية

يمر السودان اليوم بمنعطف جيوسياسي حاسم لا يعيد رسم خريطته الداخلية فحسب، بل يزلزل العقيدة الاستراتيجية التي أدارت بها القوى الدولية مصالحها لسنوات. وفي وقت تتشابك فيه تحركات روسيا وبكين لبناء نظام متعدد الأقطاب مع اشتعال المواجهات الإقليمية والدولية، فرض الواقع السوداني نفسه كمعادلة حرجة أجبرت عواصم القرار في واشنطن والنيابيات الغربية على مراجعة حساباتها أمام صمود المؤسسات الشرعية واستخدام توازنات “الفيتو” لحماية السيادة الوطنية.

أولاً: إسقاط مشروع القرار البريطاني.. الفيتو يكسر طوق الوصاية

شكل استغلال روسيا لـ حق النقض (الفيتو) ضد مشروع القرار البريطاني-السييراليوني في مجلس الأمن النقطة المحورية التي أوقفت المساعي الغربية لفرض آليات وصاية تحت غطاء الاستجابة الإنسانية وحماية المدنيين.

وكان المشروع يستهدف فرض ممرات وتدابير تلتف على السلطة الشرعية للمؤسسات السودانية، حيث اعتبرت الخرطوم وموسكو هذا التحرك مساساً صريحاً بالسيادة الوطنية وتجريداً للدولة من حقها المكفول في القانون الدولي للذود عن أراضيها، ليجيء الفيتو تأكيداً على عدم العبث بملف السودان خارج إرادة أبنائه ومؤسساته الرسمية.

ثانياً: السجل الأممي والأمريكي بين ضغوط الحظر والتصدي السياسي

لم تكن المحاولة البريطانية سوى حلقة في سلسلة من التحركات والأدوات الدولية التي استهدفت القرار الوطني، والتي واجهتها الدبلوماسية السودانية مدعومة بالشركاء الدوليين:

توسيع الحظر (تطورات القرار 1591): ظلت التحركات الغربية تسعى لتعديل وتوسيع نطاق حظر الأسلحة ليعمّ كامل الأراضي السودانية بدلاً من دارفور، وهو المقترح الذي اصطدم بوقوف حائط الرفض (الفيتو الروسي-الصيني) لكونه يهدف لتقييد كف يد الجيش الوطني أمام المليشيات.

القرارات والعقوبات الأمريكية الأخيرة: شهدت الفترة الأخيرة تصاعداً في نهج العقوبات الأحادية من جانب الإدارة الأمريكية (عبر وزارتي الخزانة والخارجية)، والتي استهدفت قيادات سياسية وعسكرية ومؤسسات اقتصادية سودانية. ورغم الترويج لهذه القرارات كأدوات للضغط للوصول إلى تسوية، إلا أن قراءة المشهد تؤكد أنها تسعى لإحداث حالة من “التكافؤ المفتعل” بين الدولة الشرعية والمليشيا المتمردة، ومحاولة تجريد المؤسسة العسكرية من حلفائها وإضعاف بنيتها الاقتصادية للقبول بإملاءات خارجية.

إنهاء بعثة “يونيتامس”:أدى موقف السودان الصارم إلى إنهاء مأزق بعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال (يونيتامس)، والتأكيد على أن أي تواجد أممي ينبغي أن يمر عبر التنسيق المباشر والكامل مع الحكومة السودانية.

ثالثاً: سقوط فرضية “الانهيار السريع” والتحول نحو الواقعية السياسية

انطلقت الدوائر الدبلوماسية والاستخباراتية الغربية والإقليمية لفترة طويلة من فرضية خاطئة مفادها: *”أن السودان دولة هشة ستنهار مؤسساتها السيادية في غضون أسابيع أمام أي هجوم عسكري خاطف وممول بسخاء”. إلا أن الصمود المؤسسي للقوات المسلحة، مسنوداً بالتفاف شعبى صلب، أحدث صدمة في غرف التخطيط الدولي أدت إلى:

1. استنزاف الرعاة وتجاوز أثر العقوبات: تحول الدعم اللوجستي للمليشيا من قفزة سريعة نحو النفوذ إلى استنزاف مالي وأخلاقي مستمر للقوى الداعمة، كما أثبتت التجربة أن السياسات الأمريكية القائمة على فرض العقوبات الحصرية أصبحت محدودة الأثر في ظل وجود بدائل في الأسواق الشرقية والنامية.

2. **عجز البديل:** أدركت القوى الكبرى أن الطرف المعتدي عاجز بنيوياً عن تقديم نموذج “دولة” يحمي الاستثمارات؛ فالرأسمالية العالمية تحتاج أمنًا وقوانين لتجني أرباحها.

3. الرعب من الفوضى:أدركت العواصم الغربية أن الفوضى لا تنتج ثروة مستدامة، بل تصنع ثقباً أسود للإرهاب والهجرة غير الشرعية التي تهدد أمن أوروبا والملاحة في البحر الأحمر.

واليوم، يملك السودان فرصة تاريخية للتحول نحو الواقعية السياسية (Realpolitik). فالعالم لا يحترم المحايد الضعيف، والفرصة تكمن في “تعدد البدائل”ط كاستراتيجية لتسويق الموقع الجيوسياسي لساحل بورتسودان كبديل آمن لخطوط إمداد الطاقة:

المعسكر الشرقي (روسيا والصين): تأمين الدعم السياسي والسيادي (الفيتو)، والاستثمار في قطاعات الطاقة والتعدين والبنية التحتية، وتحييد آثار الأوامر التنفيذية الأمريكية.

المعسكر الغربي (أمريكا وأوروبا): الإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة للاستفادة من التكنولوجيا وإعادة الدمج المالي بشرط احترام السيادة ورفض سياسة الابتزاز الدبلوماسي.

رابعاً: سلاح الإغاثة وملحمة التكافل الاجتماعي

في مساجلات الأوضاع الاقتصادية، دأبت بعض المنظمات الدولية والقوى الغربية على تسييس العمل الإنساني عبر تقارير مهولة واستخدام ملف الإغاثة كرت ضغط سياسي؛ بهدف فرض ممرات تنتهك السيادة، أو لتجميع أموال تغطي النفقات الإدارية الباهظة لتلك المنظمات.

لكن الصدمة الكبرى للمراقبين تمثلت في نجاح الدولة في تأمين الغذاء عبر ولايات الإنتاج الآمنة وتفعيل الشبكات المصرفية الوطنية، إلى جانب المعجزة الاجتماعية للتكافل السوداني:

التكايا والمطابخ الجماعية:التي أُقيمت بتمويل ذاتي كامل من الخيرين والمغتربين لإطعام الملايين بكرامة.

الإيواء الأهلي: فتح البيوت والمزارع لاستيعاب النازحين دون الحاجة لمعسكرات خيام مهينة، وبأرقام مالية فعلية فاقت ما قدمته الصناديق الأممية، مما أفشل الرهان الخارجي على صناعة “ثورة جياع” تخلخل الجبهة الداخلية أو إخضاع الدولة بالقرارات الاقتصادية القسرية.

خاتمة

منحت هذه الحرب السودان -برغم كلفته الباهظة- “شرعية الصمود” لفرض شروط جديدة والتصدي لأي قرارات أحادية أمنية أو اقتصادية صادرة من واشنطن أو غيرها. إن بناء مشروع وطني متماسك قائم على حوكمة الموارد، وتحديث الخدمة المدنية، وإعلاء الأنانية الوطنية البراغماتية، هو الضمانة الوحيدة لترجمة الصمود العسكري والفيتو السياسي إلى استقرار مستدام. لقد انتهى زمن الإملاءات، وبات على العالم أن يدرك أن البوابة الوحيدة للتعامل مع السودان هي احترام مؤسساته الشرعية وسيادته الكاملة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى