
عامر يوسف العالم يكتب ✍️
في مفاصل التاريخ الكبرى، تختبر الدول المحورية قدرتها على إعادة صياغة قواعد الاشتباك الدبلوماسي وفرض احترام سيادتها، وما قام به رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة السودانية الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان عبر رسالته الاستراتيجية الموجهة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يمثل نقلة نوعية في إدارة الصراع؛ إذ انتقل السودان من مربّع “رد الفعل والاستجابة للإملاءات” إلى مربّع “صياغة المبادرة ووضع شروط السلام العادل”.
هذه الخطوة الجريئة تكتسب أهميتها المضاعفة وسط سياقات دولية معقدة، وأخرى تتعلق بانتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة من قبل دولة المقر (الولايات المتحدة) بمنعها لرئيس دولة من الوصول إلى أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، في مخالفة صريحة لاتفاقية المقر لعام 1947 وقواعد القانون الدولي العام.
*أولاً: سقوط ورقة التوت عن “دولة المقر” وانكشاف النظام الدولي*
إن تقييد حركة قادة الدول الأعضاء في المنظمة الدولية واستخدام التأشيرات كسلاح سياسي لفرض رؤى أحادية على الهدن والترتيبات العسكرية، يثبت مجدداً ما ذهب إليه كبار أساتذة القانون الدولي من أن “ميزان العدالة الدولية يعاني من اختلالات هيكلية مزمنة”.
فالولايات المتحدة، بفرضها إملاءات أحادية، لا تقوض سيادة السودان فحسب، بل تنحر ميثاق الأمم المتحدة من جذره. غير أن المتغيرات الجيوسياسية الكبرى، وتحديداً ارتدادات الصراعات الدولية وتآكل الردع التقليدي لواشنطن في مسارح الأحداث الكبرى – كما تجلى في بوابات الصدام مع قوى إقليمية كإيران وتعرّي سياسة القطب الأوحد أمام ما يحدث في الميدان – أكدت أن منطق “النمر من ورق” بات حقيقة ماثلة؛ فالعالم يتجه نحو التعددية القطبية، والدول ذات الجيوسياسات الحساسة لم تعد تقبل الخضوع لسياسة الاستعلاء والابتزاز.
*ثانياً: رسالة البرهان.. السلام الشجاع لا الاستسلام*
جاءت تفاصيل رسالة البرهان لتعبر عن شجاعة سياسية نادرة، وتفكك السردية الأمريكية القاصرة التي تراقب الحرب كنزاع بين طرفين متكافئين تدار أزمته بمسكنات “العصا والجزرة”. لقد وضعت رسالة الخرطوم النقاط على الحروف عبر مرتكزات حاكمة لا يمكن القفز فوقها لإنتاج سلام مستدام.
*1. حماية الدولة لا الميليشيا:* الهدنة الحقيقية يجب أن تصب في حماية المدنيين والبنية المؤسسية للدولة، لا أن تُستغل لإعادة تموضع الميليشيات المسلحة أو شرعنة سيطرتها.
*2. معالجة الجذور لا الأعراض:* إنهاء الحرب يستوجب قطع دابر الدعم الخارجي، وتجفيف مصادر التسليح والمرتزقة، ورفض أي تسويات تنتقص من وحدة المؤسسة العسكرية وتماسك الدولة الوطنية.
*3. الشراكة الاستراتيجية الحقة:* السودان ليس دولة باحثة عن الإغاثة فحسب، بل هو حارس البوابة الاستراتيجية للبحر الأحمر والأمن الإقليمي، وإن أي علاقة سوية مع واشنطن يجب أن تقوم على المصالح المتبادلة والندّية، لا على الوصاية وفرض الشروط المسبقة.
*ثالثاً: سقوط وهم “العصا والجزرة” أمام صلابة الموقع الجيوسياسي*
إن إدراك صانع القرار في الخرطوم لطبيعة الخريطة الجيوسياسية يجعل من محاولات إخضاع السودان عبر الضغوط السياسية والعقوبات وحظر التأشيرات أسلوباً عقيماً ومآله الفشل المؤكد. السودان، بما يمتلكه من عمق استراتيجي وموقع متحكم في بوابات افريقيا والبحر الأحمر، لا يمكن ترويضه بسياسات العصا والجزرة. إن السلام الحقيقي في السودان لن يصنع في الغرف المغلقة بفرض رؤى أحادية الجانب تتجاهل الطبيعة الوطنية والسيادية للدولة السودانية.
إن رسالة البرهان لترامب ليست مجرد وثيقة دبلوماسية عابرة، بل هي إعلان استقلال استراتيجي يؤكد أن الجيش السوداني والدولة السودانية ماضون في حسم معركة الكرامة وبناء سلام عادل ودائم يصون سيادة البلاد ووحدة أراضيها.
وعلى الإدارة الأمريكية، إن أرادت حقاً دوراً بناءً في استقرار المنطقة، أن تعيد قراءة المشهد السوداني بوعي جديد يغادر مربع الهيمنة الأحادية إلى فضاء الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة؛ فالتاريخ لا يكتبه المستبدون، بل تصنعه شعوب الجغرافيات الحية التي تقاوم الانكسار.
سؤال للنقاش:
هل ترى أن الإدارة الأمريكية الحالية قادرة على استيعاب هذه الرسالة وتعديل بوصلتها نحو شراكة حقيقية مع الدولة السودانية، أم أن حسابات الانتخابات والضغوط الداخلية ستدفعها لمواصلة سياسة الإنكار الدبلوماسي؟
