فنون ومنوعات

نوافذُ القدر

مزمل أبوالربيع يكتب ✍️

 

 

ما كانت الأقدارُ مجرّد أحداثٍ تعبر حياتنا ثم تمضي ، بل كانت نوافذَ انفتحت فجأةً على حقائقَ طالما حجبتها عنا ألفةُ الأيام وحُسنُ الظن. ومن تلك النوافذ أطللنا على معادن الناس، فرأيناها كما هي، لا كما اعتادت أن تبدو في ضوء المجاملة.

 

حين يسقط الستار نحسب أحيانًا أننا نعرف مَن حولنا، لأن العِشرة طالت والابتسامات تكرّرت ، غير أن المعادن لا تُختبر في الرخاء، فالرخاء يُجمّل كل شيء. إنما تظهر حقيقتها حين تشتدّ الحاجة، وحين يثقل الهمّ، وحين لا يكون في الوقوف إلى جانبك مكسبٌ يُرتجى. عندها فقط تنكشف الوجوه، ويعلو الصوت الصادق فوق ضجيج الكلام.

 

وجوهٌ كشفتها الأيام عرفنا مَن يحتوينا ببساطة روحه كما يحتوي الظلُّ المسافرَ المتعب. لا يتكلّف ولا يزايد، ولا يعدّ المواقف ليطالبك بثمنها. يكفي حضورُه أن يطمئن القلب، ويُغنينا صِدقُه عن كثيرٍ من الكلام. هؤلاء قلّةٌ، لكنهم الباقون حين يرحل الجميع.

 

وعرفنا في المقابل مَن أسقطت الأيامُ قناعَ ودّه، فإذا بما ظنناه دفئًا وهجُ عابرٍ لا يبقى، وإذا بقلبٍ لا يحفظ للمعروف مكانًا، كأرضٍ لا تُنبت ما يُلقى فيها. أعطيناه فنسي، وسندناه فمال، وحين احتجنا إليه وجدنا الباب الذي كنا نظنه مفتوحًا موصدًا من الداخل.

 

الوجع الذي علّمنا ولا ننكر أن الخيبة تؤلم، فالجرح الذي يأتي ممن أحسنّا الظن به أعمق من غيره. لكننا، حين هدأت العاصفة، أدركنا أن ما انكشف لنا لم يكن خسارةً خالصة، فقد أراحنا من أوهامٍ كنا نحملها، وعلّمنا أن المعروف يُصنع لله لا لانتظار الشكر، وأن مَن لا يحفظ الجميل لا ينقص من قدر صاحبه شيئًا، وإنما ينقص من قدر نفسه.

 

ثم نمضي ومع ذلك نمضي، يرافقنا صبرٌ لم نكن نعلم أننا نملكه، ويقينٌ يسند أرواحنا كلما أوشكت على الانحناء. لا نخاصم الأقدار، ولا نحمّل قلوبنا فوق طاقتها، ولا نسمح للمرارة أن تُغلق فينا بابًا أحسن الناس الدخول منه. نُبقي الباب مواربًا، لكننا صرنا أبصر بمن نُدخل.

 

فكلُّ ما يأتي من الله، وإن أثقلنا أولَه، لا يخلو من حكمةٍ نجهلها، وخيرٍ يشبه البذرة في العتمة: لا تراها العين، وهي في الخفاء تستعدّ لإشراقِ الشمس ..

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى