فنون ومنوعات

أسعار النار وانهيار الجنيه

قراءة علمية في "حلقة التضخم" بالسودان (ولماذا لا يعد الجشع وحده السبب؟

عامر يوسف العالم يكتب ✍️

سؤال يتردد كل يوم في مجالس السودانيين بحسرة بالغة: “لماذا ترتفع الأسعار بهذه الجنونية؟ ولماذا يطير الدولار بلا هوادة؟”

الاعتقاد السائد وسط كثيرين أن الأمر لا يعدو أن يكون “جشعاً” من التجار واستغلالاً للأزمة. لكن الحقيقة الاقتصادية، حين نضعها تحت مجهر مراكز البحوث والدراسات، تكشف عن حكاية مختلفة تماماً وعميقة الجذور. ما يحدث اليوم في السودان ليس صدفة عابرة، بل هو “حلقة اقتصادية مفرغة” تتقاطع فيها تداعيات الحرب، واهتزاز هيكل الإنتاج، وتدخلات وأجندات خارجية تسعى لتقويض الاستقرار الاقتصادي والسياسي للبلاد.

 

أولاً: التحليل العلمي لواقع الأزمة (لماذا يشتعل كل شيء؟)

حين يعجز الاقتصاد عن توليد العملة الصعبة وتتوقف شريان الإنتاج، تحدث صدمة مزدوجة في العرض والطلب. ويمكن تلخيص الأسباب العلمية وراء هذا الغلاء في أربع نقاط رئيسية

 

١. انهيار الجنيه لا صعود الدولار: الدولار لا يرتفع لأنه قوي، بل لأن الجنيه السوداني يضعف ويتآكل. فبسبب توقف الصادرات الكبرى (كالذهب والنفط والصمغ العربي)، شحت موارد النقد الأجنبي تماماً، بينما استمرت حاجة البلاد الملحة لاستيراد أبسط مقومات الحياة (الوقود، الدواء، الدقيق).

 

٢. طباعة النقد بلا غطاء (التمويل بالعجز): لتمويل متطلبات الحرب والمرتبات، لجأت الحكومة إلى طباعة النقود دون إنتاج حقيقي يقابلها. كل ورقة نقدية جديدة تُطبع تقلل تدريجياً من القوة الشرائية لما في جيبك، وهو ما يعرف أكاديمياً بـ “التضخم النقدي الحاد”.

 

٣. أزمة الوقود والدقيق كـ “صدمة عرض”: توقف مصفاة الجيلي وتخريب البنية التحتية وخطوط النقل جعل وصول الوقود إلى الخرطوم والولايات مجازفة مكلفة. وحين ترتفع تكلفة الوقود، ترتفع فوراً تكلفة الترحيل والإنتاج، مما يدفع أسعار الدقيق وكل السلع نحو الأعلى في دائرة “التضخم المدفوع بالتكلفة”

 

٤. فقدان الثقة والهروب للعملة الصعبة (الدولرة): مع تآكل قيمة العملة، يفقد المواطن والتاجر الثقة في الجنيه، ويسارعون لتحويله إلى دولار أو ذهب لحفظ القيمة، مما يضاعف الطلب على العملة الأجنبية ويهوي بالعملة الوطنية أكثر فأكثر.

 

> “الأسعار لا ترتفع لأن التاجر طماع فقط، بل لأن الجنيه نفسه بات خفيفاً. المشكلة ليست في السلعة، بل في الوعاء النقدي الذي نشتري به.”

 

ثانياً: دور الدول والجهات المعادية في تعميق الأزمة

لا يمكن عزل ما يحدث في الاقتصاد السوداني عن السياق الجيوسياسي الواسع. فالحرب الدائرة في السودان ليست نزاعاً محلياً بحتاً، بل تواجه البلاد أجندة إقليمية ودولية معادية تستهدف كسر إرادة الدولة السودانية وتدمير بنيتها الاقتصادية عبر أساليب ممنهجة:

 

١. التجفيف المالي وتجفيف منابع النقد الأجنبي: تعمد بعض الأطراف الإقليمية والدولية إلى عرقلة قنوات الصادر السوداني، وتقديم الدعم اللوجستي أو السياسي للمليشيات المتمردة، مما يحرم الخزينة العامة من الموارد الحقيقية ويضمن بقاء الاقتصاد في حالة اختناق دائم.

 

٢. استهداف البنية التحتية الاستراتيجية: لم يكن تخريب المصانع، ومستودعات الوقود، ومصفاة الجيلي، ومشاريع الإنتاج الزراعي (كسلة غذاء السودان في الجزيرة وغيرها من الأراضي الزراعية بالولايات التي شملتها الحرب) أمراً عبثياً، بل جاء ضمن مخطط ممنهج لتدمير “جانب العرض”، وتحويل السودان من دولة منتجة ومكتفية ذاتياً إلى دولة تعتمد كلياً على الإغاثة والاستيراد الخارجي، مما يجعل قرارها السياسي رهيناً للخارج.

 

٣. الحرب النفسية وتغذية التضخم التوقعي: تلعب شبكات إعلامية وكيانات موجهة دوراً خبيثاً في نشر الشائعات حول الانهيار التام، وفقدان الثقة في المؤسسات المالية، وتهويل الأزمات، بغرض دفع المواطنين نحو حالة الهلع الاقتصادي (Panic Buying) وهروب جماعي نحو الدولار، مما يسرع من وتيرة الانهيار النقدي.

 

ثالثاً: طريق النجاة (الحل ليس أمنياً.. بل اقتصادي وإداري)

إن مواجهة هذه الحرب الاقتصادية المركبة تتطلب وعياً مجتمعياً وحلولاً هيكلية واضحة:

 

– إعادة إحياء الإنتاج أولاً: إن عودة مصنع واحد للعمل، أو زراعة فدان إضافي، تقوي الجنيه أكثر من أي قرار إداري بحت.

 

– استعادة الثقة في القطاع المصرفي: تحفيز المواطنين على توجيه مدخراتهم نحو الأوعية الإنتاجية والبنوك عبر تسهيلات حقيقية.

 

تعظيم الإيرادات الذاتية للدولة: مثل حوسبة سجلات الأراضي (كمشروع الأرشيف الإلكتروني لكل مؤسسة إيرادية خدمية ومتابعة تحصيل الرسوم الحقيقية التي توفر إيرادات بالجنيه دون حاجة لطباعة أوراق نقدية جديدة تزيد من التضخم).

 

التكافل المجتمعي والوعي الاستهلاكي: ترشيد الاستهلاك الأسري، ومحاربة جشع الاحتكار الفردي، والاعتماد على البدائل المحلية قدر المستطاع.

 

الخلاصة:

الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول. وحين يدرك المواطن أن المعركة الحقيقية هي معركة حماية الإنتاج واستعادة الثقة في العملة الوطنية وتعرية الأجندة الخارجية المعادية، سنتمكن معاً من كسر هذه الحلقة المفرغة والخروج بالسودان إلى بر الأمان.

 

سؤال للنقاش المجتمعي التشاركي:

 

برأيك كمواطن.. لو خُيرت بين خيارين لكسر هذه الحلقة المفرغة: (1) أن تعود الدولة لطبع المزيد من الجنيه لتوفير السلع المدعومة مؤقتاً، أو (2) أن تتحمل قسوة الأسعار اليوم مقابل توجيه كل الموارد لإعادة تشغيل مصنع ومزرعة ومشروع أرشيف إيرادي يدر جنيهاً حقيقياً.. أيهما تختار ولماذا؟ وهل أنت مستعد أن تكون جزءاً من الحل بأن تضع مدخراتك في بنك أو مشروع إنتاجي بدلاً من تحويلها لدولار؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى