
ليست البيوت التي هُجرت مجرد جدران خاوية ، بل كانت أوطانًا صغيرة تختزل روح أمة، لم تكن حجارةً صماء، بل كيانًا حيًا ينبض بالتراحُم ، ويَحمِل في تفاصيله ومضة عميقة عن معنى الوطن ، لقد كانت *دُورًا* بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، لا مجرد سكنات ، هي التي إحتضنت المريض القادم من الغرب ، والطالب من دارفور ، والعامل المُثقل من سهولِ كردفان ، والضيف المُحمَّل بأحلامه من أقصى الشمال أو أبعد الجنوب أو الشرق .
هذه البيوت العاصمية لم تكن معزولةً عن جغرافية السودان المترامية ، بل كانت محطات لرحلات الأمل والمستقبل ، تستقبل القادمين من أعالي القطارات المُتعبة ، ومن بطون اللواري المُتربة ، ومن محطات البصات المزدحمة ،كانت تطبَخُ لهم اللقُمة والذكرىٰ ، وتفرِش لهم الأمان والسلام ، أتذكر كيف كانت الأبواب تُفتح قبل أن تُطرق ، وكيف كانت الموائِد تمتدُّ فجأةً لتصبح طاولةً لعشرة أو عشرين ، وكيف كان الفراش يُشرَح في المجالس للغريب قبل أن يسأل ، كان الكرم واجبًا مقدسًا، والضيافة! دستورًا غير مكتوب.
اليوم ، أمست تلك البيوت المباركة أشباحاً تائهة ، جدراناً صامتة ،تشهد على زمنٍ ولى، لقد أُغتُصبت حُرمتُها، وانتهكت بركتها، وسُلب منها نورها الدافئ ،تحولت من مَضَائف التكاتُف والإخاء إلى مساكنَ للقهر ، ومن مواطن المحبة إلى سجون للخوف ،لقد مُسحت معالمها الإنسانية على يد قومٍ لا يعرفون للرحمة سبيل ، ولا للبيت حُرمة ، وحوشٍ متحضرة الشكل ، بدائية الروح ، نزلوا كالطاعون فتركوا وراءهم ظلاماً موحشاً ، وخرابًا للأرواح قبل المكان، لكنّ شيئًا واحداً لم ولن ينهبه المُعتدون !الذاكرة ،نعم!! فالبيت قد يُسرَق أثاثه، ويُدَمَّر جداره، لكن لا يُسرَق وقعه من القلب ، تبقى رائحة القهوة في الصباح الباكر ، وصدقة الضيف القريب و الغريب ، وهمسات الأمان في الليل الطويل ، والمسامرة مع الأحباب في الحواري ، باقية في الوجدان ، لأنها كانت التجسيد الحي لأخلاقنا وتربيتنا وأصالتنا ، إلى ترابط يحوِّل الغربة إلى ألفة.
هؤلاء المُعتدون قادوا البلاد إلى ظلامٍ دامس، لكنهم لن يطفئوا الشمعة التي تُضيء من داخل كل سوداني و سودانية، شمعةٌ تُذَكِّرنا أن الخرطوم الحقيقية لم تكن أبدًا خطوطًا على خريطة، بل كانت، وستبقى، فضاءً رحبًا للقلب، قلبٌ تعلم أن الوطن الحقيقي هو ذلك الحضن الذي يتسع للجميع، إن طال الليل، فإن الفجر آتٍ. لأن الأصالة لا تُدفن، والتكاتف والتكافل لا يُنسى ، والكرامة الإنسانية التي عَشَّشت في تلك البيوت، أقوى من كل دبابة، وأبقى من كل ظُلم ..
أمدرمان
الأربعاء ٢٠مارس 2024
