
تمسكت حكومة السودان بضرورة انسحاب مليشيا الدعم السريع من المدن والمواقع التي تسيطر عليها، وخروج المرتزقة الأجانب، ونزع سلاح المجموعات المسلحة، قبل المضي في ترتيبات تفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار وسلام شامل، مؤكدة أن أي هدنة إنسانية يجب أن تتضمن آليات واضحة لحماية المدنيين ومنع استغلالها في إعادة التسليح أو فرض واقع عسكري وسياسي جديد.
وقال السفير الحارث إدريس الحارث، في البيان الوطني الذي قدمه أمام مجلس الأمن الدولي، الجمعة، 16 أكتوبر 2026، إن الرئيس عبد الفتاح البرهان بعث رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الأول من أكتوبر الجاري، أكد فيها تقدير السودان لاهتمام الإدارة الأمريكية بتحقيق السلام، مشيراً إلى أن السلام يمثل خياراً استراتيجياً للحكومة منذ طرح تصورها لإنهاء الحرب في عام 2024، استناداً إلى إعلان جدة الموقع في مايو 2023 برعاية الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية.
وأوضح البيان أن السودان قدم ملاحظات فنية تتعلق بحماية المدنيين وحقوق المجتمعات، بهدف وضع ترتيبات واضحة وملزمة للتنفيذ والتحقق، تمهد لوقف دائم لإطلاق النار وتحقيق سلام شامل يحفظ سيادة البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها.
وشدد الحارث على ضرورة الاتفاق على جدول زمني لانسحاب مليشيا الدعم السريع من المرافق المدنية ومساكن المواطنين إلى نقاط تجميع تخضع لرقابة دولية، إلى جانب إخراج المرتزقة الأجانب ووقف تدفقات السلاح والتمويل إلى المليشيا، معتبراً أن هذه التدابير ضرورية لحماية المدنيين ومنع تقسيم البلاد، فضلاً عن تهيئة الظروف لتوحيد القوات العسكرية تحت قيادة جيش وطني واحد يؤدي مهامه الدستورية بمهنية واحترافية.
وأكد البيان أن قرار مجلس الأمن رقم 2736 يمنح السودان الملكية الوطنية لعملية صنع السلام، بما يستوجب أن يحظى أي اتفاق بقبول جماهيري، مع تحديد آليات تنفيذه مسبقاً، داعياً إلى اتخاذ تدابير تجاه الجهات التي تمول الحرب وتزود المليشيا بالسلاح والمرتزقة، وتفكيك شبكات الاتجار بالسلاح والموارد التي تسهم في إطالة أمد النزاع وانتشار الأسلحة غير المشروعة في المنطقة.
وجددت الحكومة التزامها بالتحول الديمقراطي المدني، مشيرة إلى أن مستقبل نظام الحكم يجب أن يقرره السودانيون عبر حوار شامل داخل البلاد، يضمن المشاركة السياسية السلمية والمساءلة عن الجرائم، ويرفض توظيف السيطرة العسكرية للحصول على نصيب في السلطة أو إضفاء الشرعية على كيانات إدارية موازية.
وفي ما يتعلق بالحوار السوداني، أعلن البيان أن الحكومة تعمل على تهيئة الظروف لإطلاق عملية حوار سوداني – سوداني تستند إلى الملكية الوطنية وشمول مختلف القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، بهدف وقف الحرب ومعالجة جذورها وتعزيز المصالحة الوطنية. وحدد البيان أهداف العملية في تحقيق الوفاق بين القوى السياسية، ومواجهة خطاب الكراهية والعنصرية، وإعادة ترميم النسيج الاجتماعي، وتوحيد الجهود لإعادة الإعمار ومعالجة الأزمة الإنسانية، إلى جانب تفعيل العدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات وجرائم الحرب.
وأشار الحارث إلى إنشاء لجنة تهيئة الحوار السوداني – السوداني لبدء المشاورات بشأن معايير المشاركة ومنهجية العمل والتمثيل، دون فرض أجندة أو مخرجات مسبقة، موضحاً أن اللجنة تستهدف توسيع الفضاء المدني وإدارة الخلافات السياسية والاجتماعية بالوسائل السلمية، بما يضمن معالجة أسباب الحرب وعدم تكرارها.
وأضاف أن رئيس مجلس السيادة الانتقالي أصدر ضمانات وتدابير قانونية تشمل شطب البلاغات المرتبطة بالمواقف السياسية للمعارضين، وتوفير حماية قانونية مؤقتة للمشاركين في الحوار، بما يمنع اتخاذ إجراءات جنائية بحقهم بسبب آرائهم ومواقفهم السياسية، فضلاً عن توفير الحماية الأمنية والتسهيلات اللوجستية اللازمة، وعدم تدخل الحكومة في اختيار أطراف الحوار أو تحديد أجندته ومخرجاته.
وأوضح البيان أن عملية الحوار ستشمل القوى السياسية والمدنية، والإدارات الأهلية والمجتمعات المحلية، والنساء والشباب، واللاجئين والنازحين، والمهنيين والأكاديميين، ومنظمات المجتمع المدني، ورجال الأعمال والقطاع الخاص، وممثلي الولايات والأقاليم، والقطاعات الأكثر تضرراً من الحرب.
وأكد أن الحوار لن يقتصر على النخب السياسية، وأن مراحله النهائية ستُعقد داخل السودان بمشاركة واسعة، فيما يقتصر دور الشركاء الإقليميين والدوليين على تقديم الدعم اللوجستي وبناء القدرات وتوفير الخبرات، دون التدخل في صناعة القرار أو التأثير في مخرجات العملية. وأشار إلى أن معالجة الفظائع والانتهاكات وحقوق الضحايا ستخضع لمسار مستقل، بما يضمن عدم تعارض الحوار مع المساءلة القانونية ومكافحة الإفلات من العقاب.
وربطت الحكومة تحقيق السلام بإنهاء التمرد العسكري ونزع سلاح المجموعات المسلحة الموازية للدولة، معتبرة أن استمرار وجود قوى مسلحة خارج مؤسساتها يهدد فرص الاستقرار ويتيح استخدام السلاح وسيلة للمنافسة على السلطة. وشدد البيان على ضرورة تنفيذ ترتيبات التسريح ونزع السلاح وإعادة الدمج، باعتبارها من المتطلبات الأساسية لمنع تجدد الحرب وترسيخ احتكار الدولة للقوة المسلحة.
وفي الجانب الإنساني، أعلنت الحكومة تمديد فتح معبر أدري الحدودي مع تشاد أمام المساعدات الإنسانية لمدة ثلاثة أشهر إضافية، اعتباراً من الأول من أكتوبر وحتى 31 ديسمبر 2026، لتسهيل وصول الإغاثة إلى المدنيين المتضررين. وأكدت استمرار التعاون مع الأمم المتحدة والشركاء الإنسانيين لاستكمال ترتيبات الرصد والمراقبة وتعزيز الشفافية وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها وفق القوانين الوطنية والقانون الدولي الإنساني.
وكشف البيان أن التمويل الفعلي لخطة الأمم المتحدة للاحتياجات والاستجابة الإنسانية لعام 2025 لم يتجاوز 37.2 في المئة، بعجز بلغ 62.8 في المئة حتى منتصف عام 2026، مشيراً إلى أن الفجوة بين المساعدات المتاحة والاحتياجات الإنسانية بلغت نحو 63 في المئة، ما أدى إلى خروج 15.5 مليون شخص من دائرة التغطية بالمساعدات متعددة القطاعات.
وأضاف أن جهود الحكومة، بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة والشركاء والدول الصديقة، أسهمت في تسهيل وصول المساعدات إلى أكثر من 18 مليون شخص متأثر بالحرب خلال عام 2025، كما أصدرت السلطات المختصة 108 أذونات للتحرك إلى 13 ولاية لصالح وكالات أممية ومنظمات دولية. وقدر البيان عدد المواطنين العائدين إلى البلاد عبر المعابر المختلفة بنحو خمسة ملايين شخص.
وأشار إلى اعتماد 14 مساراً لتسهيل إيصال المساعدات عبر 18 ولاية، تشمل الموانئ والمطارات والمعابر البرية والنهرية، من بينها ميناء بورتسودان ومطار بورتسودان الدولي ومعابر أدري والطينة وأرقين وأشكيت، إلى جانب مطارات الخرطوم وكادوقلي وكسلا والأبيض والفاشر ودنقلا، ومعبر الرنك – جودة ومرسى كوستي النهري.
واتهم البيان مليشيا الدعم السريع بتكثيف استخدام الطائرات المسيّرة لاستهداف المدن والمنشآت الحيوية ومصادر المياه ومحطات الوقود والجسور في ولايات كردفان والنيل الأزرق والنيل الأبيض ونهر النيل، قائلاً إن الهجمات تهدد حياة المدنيين وتؤثر في الموسم الزراعي وسلاسل الإمداد وتدفع السكان إلى النزوح القسري.
وذكر أن الهجمات بالطائرات المسيّرة تصاعدت منذ مايو 2025، وشملت ميناء بورتسودان ومنشآت نفطية وكهرومائية وقاعدة عثمان دقنة الجوية ومحطة الرادار في فلامنغو، كما أشار إلى إطلاق أكثر من 20 طائرة مسيّرة انتحارية خلال الفترة من نهاية سبتمبر إلى الرابع من أكتوبر الجاري، استهدفت مناطق في ولاية شمال كردفان، وفقاً للبيان.
وأضاف أن الجيش السوداني أسقط ثلاث طائرات مسيّرة وصفها بالمعادية عبرت الحدود من إثيوبيا إلى إقليم النيل الأزرق، كما أشار إلى إسقاط طائرة مسيّرة إثيوبية في منطقة خور الدهب الحدودية في 30 مايو الماضي، متهماً جهات خارجية بتوفير الدعم التقني والعسكري للهجمات. ولم يتضمن البيان تفاصيل مستقلة تثبت هذه الاتهامات.
وساق البيان أرقاماً بشأن الانتهاكات المنسوبة إلى مليشيا الدعم السريع والمرتزقة الأجانب في ولاية شمال كردفان حتى أغسطس 2026، موضحاً أن 29 قرية تعرضت للسلب والنهب والحرق، وأن 55 مدنياً قُتلوا، بينهم نساء وأطفال، مع تسجيل نحو 200 حالة إخفاء قسري ومئات الجرحى، وتأثر 60 ألف أسرة في منطقة شيكان.
وفي جبرة الشيخ، أشار البيان إلى تشريد 38 ألف أسرة ونهب أكثر من 100 ألف رأس من الماشية ومقتل 220 مدنياً وتدمير تسع محطات للمياه. وفي بارا، تحدث عن تدمير 22 مصدراً للمياه ومقتل 88 مدنياً وتأثر 58 ألف أسرة، بينما ذكر أن غرب بارا شهد تهجيراً قسرياً طال 12 ألف أسرة ونهب 30 ألف رأس من الماشية وإتلاف محاصيل زراعية ومقتل 53 مدنياً، بينهم 28 من كبار السن و16 طفلاً. كما أشار إلى تشريد سبعة آلاف أسرة في سودري ونهب الممتلكات والمحاصيل.
وفي سياق إقليمي، حذر البيان من تحول الحرب إلى شبكة عابرة للحدود لتجارة السلاح والذهب والموارد والتمويل غير المشروع، مشيراً إلى ما وصفه بتسرب أسلحة وذخائر إلى جماعات مسلحة في منطقة الساحل، بينها مجموعات مرتبطة بتنظيم داعش وحركة إنقاذ أزواد، فضلاً عن استخدام الوقود والذهب والمركبات والمخدرات في تسوية صفقات السلاح.
واعتبرت الحكومة أن اتساع هذه الشبكات يهدد أمن دول المنطقة واستقرارها، داعية إلى تفكيك البنى العسكرية والاقتصادية المرتبطة بالاقتصاد الحربي، وتسريح المقاتلين وإعادة دمجهم، وتعزيز الرقابة الدولية على تدفقات السلاح والتمويل، محذرة من أن استمرار هذه الأنشطة قد يحول النزاع السوداني إلى مصدر أوسع لعدم الاستقرار الإقليمي.
واختتم البيان بتأكيد أن رؤية السودان للسلام تقوم على معالجة الأزمة الإنسانية، وتوسيع الممرات الآمنة للإغاثة، وفك الحصار عن مناطق دارفور وكردفان، وحماية المدنيين والنازحين، وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين، وتحقيق المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، وصولاً إلى انتخابات عامة وحكم ديمقراطي مدني، مع الحفاظ على سيادة البلاد ووحدتها الإقليمية ودور الجيش في الدفاع عنهما.
