
هو اللُّبابُ الذي لا تُذيبه الأيام، والباقي بعد فناء الأجساد وطيّ الصحف؛ به يُعرَف الإنسان، وبه تُخَطُّ السِّيَر وتُدوَّن الأخبار.
إنّ للرجال مواسمَ تُشرق فيها معادنهم، وتنجلي فيها حقائقهم كما ينجلي الذهب في بوتقة السَّبك. فإذا بلغوا فيها تمامَ الرسالة، واستوفَوا ما كُتب لهم من السعي والجَلَد، وأدّوا ما استُحفظوا عليه من الأمانة والدين، انحطّ عن كواهلهم ثِقلُ التكليف، وانطوت صفحاتُ التعب، وآل وعثاءُ الطريق وعسرُه إلى سكينةٍ لا يذوق حلاوتَها إلا من صدق الله في مقصده، وأخلص له في مسيره.
فما المجدُ أن يطول العمر ويمتدّ في ميادين الوغى، وإنما المجدُ أن يمتدّ الأثر ويخلد الذكرُ الجميل. وما الفخارُ بكثرة الأيام والسنين، بل بما تخلّفه النفوسُ الأبيّة من مواقفَ تُقيم الحجّة على الدهر، وتنقش اسمَ صاحبها في سِفر الخالدين؛ مواقفَ تُعلّم الأجيال أن المبادئ لا تُورَّث بالأقوال الرنّانة، وإنما تُورَّث بالتضحيات الجِسام، والدماء الزاكية، والصبر على المكاره. وصدق القائل:
إذا مات الفتى ماتت خلائقه ،، وعاش الفتى ما عاش بالخير ذاكرا
ثم يمضي الركب… وتمضي الأرواح لا تلتفت إلى ما خلّفت وراءها من عناءٍ ونَصَب؛ فقد أَلقت عن عواتقها حِملًا أثقلته السنون، وسلّمت أمرها إلى ربٍّ كريم، عليمٍ بخفايا الصدور، لا يضيع عنده صدقُ النيّات، ولا يغيب عنه وجيبُ قلبٍ احتسب، ولا دمعةُ عينٍ صبرت على البلاء، ولا خطوةُ قدمٍ مضت في سبيل الحق وهي تعلم أن الأرض ستشهد لها يوم تُحدّث أخبارها.
وهكذا الدنيا: ممرٌّ لا مستقرّ، ومعبرٌ لا مقرّ، وسفرٌ لا إقامة فيه؛ يتعاقب عليها السائرون تعاقبَ أجنحة الطير، يحمل كلٌّ نصيبَه من البلاء والتكليف، ثم يضع رحاله حيث تنتهي به الأقدار، وتتجلّى حكمةُ الجبّار. ويبقى من الإنسان ما قدّم من خير، وما غرس من بِرّ، وما بثّه في النفوس من معاني الصدق والوفاء والثبات؛ تلك التي تسمو على الفناء، وتأبى على الزوال. وكما قيل:
كل شيء مصيره الفناء ** غير أمر بصدقه يدعى
فطوبى لمن خفّ ظهره من أوزار الخلق وأثقال المظالم، وثقل ميزانه بحسن القصد وطهارة المقصد، واستراح قلبه لأنه لم يبع الحقَّ بثمنٍ بخس، ولم ينقض العهدَ الوثيق، ولم يُؤثر سلامةَ النفس على شرف الموقف وعلوّ المقام. أولئك إذا غابوا حضرت سيرتهم، وإذا سكتت ألسنتهم نطقت أعمالهم، وإذا واراهم الثرى بقيت مآثرهم تتردّد في ضمير التاريخ، شاهدةً لهم بثباتهم إذا اضطربت الموازين، وبصبرهم إذا عزّ الصبر، وبصدقهم إذا كثرت الوجوه وتبدّلت الأقنعة، وتلوّن الناسُ تلوّنَ الحرباء.
وبين أول الطريق ومنتهاه تبقى حقيقةٌ واحدة لا تتبدّل: أن لكل أمانةٍ أجلًا محدودًا، ولكل مسيرٍ غايةً معلومة، وأن خيرَ الزاد صدقُ التوجّه إلى الله. فإذا انقضت الرحلة، وشخصت الأبصار، وشُدّت الرحال إلى الآخرة، بقيت الأعمال وحدها تنطق بلسان الحال، وبقي الجزاء عند من لا تضيع عنده ودائعُ الإحسان، ولا تضلّ لديه أعمالُ المتقين الأبرار.
السبت ٤ يوليو ٢٠٢٦م
